17 Dec 2012

فضفضة

من يوم وفاة جدي وانا عندي ١٢ سنه ماعيطتش لحد لما دخلت الجامعه مره واحده...كانت لحظة حسيت فيها بقهر فاق احتمالي...ولما عيطت ساعتها ماسكتش غير بقرص مهديء ونوم...وبكيت مره تانيه في ٥ سنين دراسة جامعية...برده كنت حاسه فيها بقهر فاق احتمالي...وبرده ماسكتنيش غير قرص مهديء ونوم...من ساعتها لحد الثوره بكيت ٣ مرات...مرتين يوم وفاة خالي الأكبر وخالي الأوسط...ومره بعد ما استقليت بحياتي عن أهلي بحوالي شهر...بكيت يومها بهدوء...كانت دموعي بتتزحلق على خدي في سكينه شديده...كانت دموع راحة من قهر كتير عديت بيه ونزلت وقت ما تجاوزت عن الشعور السلبي اللي كان ملازمني حوالي ١٦ سنه من حياتي...دموع التجاوز دي أريح شيء في الوجود

وقت ال ١٨ يوم عيطت كتير وانا ببتسم...يوم ٢٨ وانا شايفه اول واحد بينزل من علي كوبري والمسيره مالياه وانا على آخره ولسه ورايا ناس...بكيت من السعاده وانا بشد في دراع فضل صديقي وبتنطط: "الناس نزلت يا فضل الناس نزلت"...المسيره دي بدأت من امبابه بأقل من ١٠٠ فرد...وكنت بعيط وانا مبتسمه كل مره سمعت فيها اغنيه وطنيه خلال ال ١٨ يوم...مابكيتش خالص يوم موقعة الجمل ولا يوم ٢٨ يناير علي الناس اللي اتعورت وماتت....من بعدها مابكيتش غير بعد ماظهرت جثة زياد بكير (أخو صديقه ليا من أيام الكلية)...ومرة يوم جنازته...ومره يوم وداع شهيد تاني ماعرفوش مشيت في جنازته من القصر العيني وصلينا عليه في التحرير...مكنتش بعيط عليهم...مش فاهمه فعلا يعني ايه اعيط على شهيد...كنت بعيّط على المرمطه اللي اهلهم اتمرمطوها...أهل زياد فضل يجيلهم تليفونات تهديد لحد يوم ماتدفن بإنه لسه حي ولو اتكلموا مش هيشوفوه تاني...والولد التاني كان بيصرف على أهله...كان في عز شبابه وراح من أمه مش فاكره كان مين قتله...اللي قتلونا كتير

من بعد الولد ده مابكيتش تاني غير في جنازة الشيخ عماد عفّت...ماكنتش اعرف الشيخ عماد...مشيت في جنازته وانا مبتسمه وبسبح وبدعي ربنا يحسن خاتمتي...أكبر جنازة شوفتها في حياتي وكنت بستعجب: "عملت إيه يا مولانا عشان تنول البركه دي؟ علّك ولي واحنا مانعرفش"...لحد ماوصلنا المدافن...كان بيني وبين التربه لما اتفحت ناس كتير فمكنتش شايفاها...بس فجأة شميت ريحة جميله اوي ماشميتهاش غير في حلم حلمته بجدي الله يرحمه جوا الكعبة...لما الناس ابتدت تنصرف فضلت اتتبع الريحة...لقيتها طالعه من التربه اللي بيدفنوا فيها الشيخ عماد...سألت الناس مالقيتش حد شاممها غير نواره..قالتلي دي ريحة مسك

طلعت يومها قابلت ناس زمايلي عشان اروح معاهم...واحنا مستنيين تاكسي اتفحت في العياط...مش حزن على شهيد إطلاقا...بس كنت هتجنن...ربنا بيسيبنا عايشين طول ما حياتنا نفع...وبيقبض ارواحنا لما بيشوف ان دورنا انتهى أو بتكون وفاتنا عبره لناس عايشه...السؤال اللي كان مجنني وقتها: أنا دوري إيه؟ إيه اللي مطلوب مني أعمله وعشانه ربنا سايبني عايشه؟...مش متضايقه اني عايشه...ولا عاوزه انتحر...بس كان نفسي أفهم انا مطلوب مني اعمل إيه عشان أعمله؟...تميم البرغوتي كان واقف ورايا وانا بعيط فجأة لقيته بيقولي اكتبي...سألته أكتب إيه؟ قالي ماعرفش اكتبي يمكن كتابتك على البلوج دي هي دورك اللي مفروض تقومي بيه
 
 كتير بحاول أكتب ومابعرفش...اللي متابع البلوج من زمان عارف ان ده شيء غريب اني بقيت أكتب قليل...من بعد الثورة وانا بفقد بالتدريج القدره على الكلام والبكا والكتابه...نزل عليا سهم الله...مخي ماعادش قادر يتعامل مع اللي شافه...لأن كل حاجة مهببة شوفتها ومريت فيها في الفترة دي مكانش بيبقى عندي وقت احس بحاجة او حتى أبكي...واحد وقع...شدي نفسك وخشي الحقي حد تاني جوا وابقي عيطي بعدين...وبعدين ده مجاش بقاله سنه...مخي فرمت نفسه...مسح كل حاجة كأن لم تكن...مابقاش عندي ذكريات متعلقة بأي أحداث...ناس بتقابلني تقولي اتقابلنا وقت ضرب في شالرع...ويحكولي مواقف حصلت بينا...وانا مش فاكره أي حاجة...مخي كبت كل شيء بما فيهم تفاصيلي انا الشخصيه...بقيت زي كائن فضائي هبط عالأرض اول امبارح ماعندوش فكره عن أي حاجة ولا حتى حياته في كوكبه السابق...زي ماكون وقعت في ثقب زمني...المخ مسح مخزون الذكريات والمشاعر فمبقاش في حاجة يسترجعها

بقالي مده بحاول استعيد كل الذكريات ومش عارفه...وطول مانا مش عارفه مش هعرف اكتب...عارفه ان دي فتره وهتعدي طول مانا بحاول أعديها...المحزن أكتر إن ليا صحاب كتير حواليا كده وانا مش عارفه اساعدهم..لأني مش عارفه أعمل كتالوج للخروج من أزمه انا لسه في نصها...شعور غبي بالعجز...ورغبة قوية اني افتكر كل الذكريات المؤلمة عشان أقدر اتعامل معاها وأقدر أكمل حياتي بشكل طبيعي...ولسه مالقيتش سكه واضحة اطلع منها واشاور لصحابي عليها 

في الفتره دي...وتحديدا بعد استشهاد الشيخ عماد أدركت حاجة مهمة جدا...الشهدا حقهم عمره ما هييجي دلوقت...القصاص مش حق الشهدا...القصاص ده حق الناس اللي عايشه واتضرت باستشهاد حبايبهم...لكن الشهدا حقهم هيجي عند الله يوم الحساب مش هنا خالص...وده بالنسبالي مش معناه التقصير في تحقيق القصاص...بالعكس...ده سبب أدعى لتحقيق القصاص: لناس اللي عايشه بتتعذب كل يوم دي ترتاح شويه

اللي قوي الفكره دي كان حلم حلمته بشهيد عمري ماقابلته: أحمد بسيوني...كنت في حلم معديه من حته عمري ماشوفتها في حياتي...سهل كبير مقسوم نصين...نص زرع اخضر والنص التاني اللي كان فيه بسيوني ارض رمليه واسعه اوي...وهو نايم تحت ضليله...مستلقي على الأرض ونايم...عينيه مقفلين بس مفتحين...وجسمه كله سليم...اختلفت انا والناس اللي حواليا...أقولهم نايم...يقولولي مات...وصوت يجيلي من يميني من حد مش شايفاه يقولي عايش...أقول للناس اللي قاعده علي شمالي بتشرب شاي أقولهم عايش ونايم..يقولولي مات...الصوت يجيلي تاني من يميني يقولي عايش...هزيه يمكن يصحى...لقيته مبتسم وبيبصلي وعينيه مقفلين بس انا شايفه نني عينه...جيت أصحية قومت انا من النوم وعلى لساني بقول مع الصوت اللي كان في الحلم: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون...الحلم ده تعبني فتره في تفسيره...كل اللي قدرت افهمه منه لوحدي بدون مساعده ان الشهيد عايش ومبسوط...لحد اما حد اعرفه نبهني لحاجة مهمه...إن بسيوني كان بيقولي انه في مكان افضل وإن جسمه اللي اتصاب في الدنيا دلوقت سليم بس احنا مش شايفينه وهو شايفنا

من أول يوم لغاية النهارده مابكيتش شهيد...ولا هبكي شهيد...انا ببكي العايشين..الإنسان عمره قصير..ومسيرنا هنحصلهم..قريب أو بعيد مش مهم...المهم اننا هنتقابل 

امبارح اكتشفت ان واحد من اللي راحوا في مجلس الوزرا كنت اعرفه بس ماعرف شاسمه...كنت بقابله وسط صحاب في الميدان...اتقهرت...وبرده ماعرفتش ابكي...هي دمعه واحده يتيمه نزلت من عيني اليمين وانا بقول: بل أحياء عند ربهم يرزقون

حسيت ساعتها ان الدنيا دي سخيفه...سخيفه أوي..مالقيتش حاجة اعملها غير اني اكتب البوست ده...يمكن حد يلاقي فيه تنفيس عن شيء...يكمله حته ناقصه..أو يزيح عنه هم...أو حتى يحسسه إنه مش لوحده...إحنا كتير...وكلنا رايحين...ماحدش قاعد فيها للأبد...وأهي دمعه خدتلها سنه عشان تنزل...يمكن ربنا يفرجها بحبة عياط قريبين يشيلوا عن صدري شوية هم متراكم

9 comments:

fido_dido_65 said...

الله على التعبير والوصف الصادق بالتوفيق واتمنى متابعه المزيد قريبا بعيدا عن كل هذا الهم وربنا معنا جميعااا

بساطه said...

دايما بتقولس كﻻم قلته او كنت مش عارفه اقوله…بتقشعريلي بدني… الله يفتح عليكي ويريح قلبك ويزيدك بصيره وطمأنينه

Yasmine Faisal said...

ربنا يكرمك يا أمينة اكتبي تاني .. اكتبي كتير

Nabila Elsayed said...

كلامك عن مسحك لكل ذكرياتك ...اعتقد ان كلنا عملنا كده ...انا شكيت انى ذاكرتى بقى فيها مشكلة ...لكن واضح اننا بنهرب من ذكرياتنا بكبتها وسجنها فى مكان بعيد ... بوركتى يا أمينة

menna said...

انت انسانة جميلة كلامك اد ايه عميق وحقيقي وبعيد عن المبالغات الثورة تستمر في قلوبنا

العاب فلاش said...

كلام رائع

سارة سعيد said...

تحفة تحفة :')

مصطفى الراوي said...

لا ينسى العقل البشري أي تفصيلة تمر به سواء كانت مرئية أو مسموعة، وعدم قدرتك على التذكر وسيلة دفاعية يضعها العقل الباطن ليجنبك الألم النفسي. ستتذكرين هذه الأحداث والأيام - بالتفصيل الممل - عندما تكونين مستعدة لذلك، سيطلقها عقلك الباطن من عقالها وستندهشين للتفاصيل التي ستتذكرينها. محاولتك لكبت دموعك ومشاعرك دفعت عقلك الباطن تلقائياً إلى أن يُنسيك التفاصيل وإخفاء الذكريات بعيداً عن عقلك الواعي.

أتفق معك في نقطة حق الشهيد، ومن زاوية أخرى أجد أن من يطالبون بحقوق الشهداء - أو من أحتسبهم كذلك عند الله والله وحده حسيبهم - لم يستطيعوا هم أنفسهم استعادة حقوقهم وهم أحياء، فكيف بهم يستعيدون حقوق من توفاهم الله؟

أما في أن تعرفي ما سبب وجودك في الدنيا ولم خلقك الله؟ ولم لازلت حية ترزقين في هذه الدنيا؟ فقد مر أخي بأزمة طويلة سهر ليله خلالها وجافاه النوم حتى نام مرهقاً في ليلة وحلم بمن يذكره بقوله تعالى: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" ~ الآية 99 من سورة الحجر، واليقين هنا هو الموت والشيء الوحيد المؤكد في هذه الدنيا سواء طال أمده أن قصر. ليس أخي بحافظ للقرآن ولا يقرأه إلا على فترات متباعدة، ولكنه قام من نومه وهو يردد الآية عالماً بموضعها من السورة ورقمها. وأذكرك أيضاً بقوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ".

وفقك الله إلى ما يحبه ويرضاه.

amina zaki said...

بالزبط كده يا مصطفى