24 Jun 2013

سنصعد هذا الجبل

ارتكِن إلى الخط الوهمي الذي يفصل بين النص وفراغ الصفحة: الهامش...وحدي...وانت...في الجهة المقابلة...خلف نفس الخط ذاته...تتقلب على جمر الاحتمالات المؤسفة...أما أنا فأصنع من الاحتمالات مسبّات من صلصال أقذفها بملل على أحرف المتن...فتنزلق...ساقطة من على حافة الصفحة...أعلم أني لا أجيد التصويب وأن للقدر تصاريف خفيّة...وأنت مقتنع أنك تملك كل المعطيات...تمض ليلك في توفيقها لعلّك ترى مستقبلا أقل قسوة من المحتمل...وأمضي نهاري في غزل مخاوفي لأصنع خيطا أدكك به جفنيّ في الليل لأنام. فاهجر المتن قليلا لتتمكن من قراءة النصّ...تعال إلى الهامش فالمساحة هنا خالية من سواي...الهامش ياصديقي دوما أرحب...فالنص ثقيل كالواقع...وفي الهامش متسع لتصاريف القدر

لا أخشى الاحتمالات على قسوتها...ولا يؤلمني الواقع على حقارته...فكل شيء ينتهي...الواقع نفسه يا صديقي يوما ما سينتهي...انت تعلم (مثلما أعلم) أن الاحتمالات فوق قدرتنا على التوجيه أو المنع...ولكنك مازلت تحاول في يأس أن تكتب نهاية مختلفة للنص متناسيا أنك لا تحمل القلم...فهات ازميلك وتعال إلى الهامش نحفر طريق الخروج من القاع المقبل...فالوصول إلى القاع وشيك...وهناك لا مجال لشيء سوي التخبط...أخشى عليك من الجنون...وأخشي على نفسي من الدنس

أي صديقي...كلانا عاجز...فعجزك عن تغيير الواقع يغضبك...وعجزي عن كبح غضبي يجعلني أتشبث ماستطعت بقلبك المرتجف...فقلبك ياصديقي طيب...وعقلي ملعون...والاحتمالات تغري بالانتقام من العالم...لكن بقايا الإيمان في القلب دفعتني نحو الهامش...فثبّتني بكفّك هناك...ولا تصرف بصرك عنّي فأهلك...فرعشة القلق في بؤبؤ عينك تذكّرني بأن للكون ربّ...وبأن هناك كفّ عملاق يسحب الورقة من نقطة المنتصف فتنطوي على النصّ بغير انتظام...ولهذا فإن سطور النصّ تتضاغط والمعنى يتوه تدريجيا: أية محاولة للقراءة فاشلة تماما...والارتجال سيؤدي إلى كارثة...فألتَزم الصمت وأتشبث بالهامش...أنبشه بكفّي بحثا عن شيء طيّب خبأه القدر في غفلة منّا...لكنّي لم أجد سوى شال من الصبر...فأتدثر به وأتذكر أني مازلت قادرة على غزل غضبي حبال لأصنع أرجوحة

في براح الهامش يمكنك أن تكتب نصا موازيا...لكنك تصر على التشبث بقراءة النص قبل أن يكتمل...وأنا أصر على التفتيش عن تصاريف القدر المخبأة في الهامش...أتذكر فيلما سينيمائيا اسمه الحافّة...بطله محقق بالشرطة عظيم الخبره، شديد الحصافه...يتعقب قاتل أطفال...يتمكن المحقق من توقع الضحيّة القادمه...فيسعى لها ولا يسمع له أحد...ينقل إقامته إلى بيت الطفله الّتي تعيش وحيده مع أمّها...يراقب الطفلة على أمل أن ينقذها من قتل يظنّه محتم...وحدث أن تواصل القاتل معها...صدق المحقق...ولكن لم يسمع له أحد...وفي الموعد المحدد في المكان الّذي تخيّره القاتل جلست الطفله تنتظره...وجلس المحقق مختفيا خلف أحد الأشجار...تأخر القاتل...فأخذ المحقق يعيد قياس الاحتمالات...كل المعطيات تؤدّي إلى هذه النقطه...لم يغفل تفصيلة مهما صغرت...والقاتل لا يجيء...تنصرف الطفلة..وتنصرف قوات الشرطه...ويبقي وحده يعيد قياس الاحتمالات فيصل لنفس النتيجة...فهو لم يغفل تفصيله...ولكن القاتل لا يجيء...يموت في حادث تصادم على الطريق لم يحسب له المحقق حساب...يعود كل شيء إلى طبيعته...وتستمر الحياه...والمحقق منتظر في العراء قاتل لم يجيء...ففقد عقله

أي صديقي...تعال إلى الهامش لتسترح قليلا من حسابات العقل وسياقات المنطق...تذرّع بالإيمان وارتكن إلى الصبر...وافسح لرأسي مكان على كتفك...فأنا مثلك متعبة...أنهكني الغضب...وأنت...يأكلك الاحتمال. لنسكن قليلا...فالطريق من القاع إلى رأس الجبل طويل

--------------
عنوان النص من قصيدة لمريد البرغوثي

No comments: