2 Jul 2012

بينما كنت أغرق .. تعلمت الطيران

حينما كنت علي وشك الغرق، مددت ذراعي الأيمن .. فلما لم يلتقطه أحد .. انتهزت الفرصة لأتعلم الطيران.
 
بعينين مفتوحتين علي وسعهما تحت الماء رأيت ذراعي الممتد يبدو مكسورا بفعل انكسار الضوء علي صفحة الماء .. فرفعت رأسي قليلا -فاستقام- وأخذت أتأمل ظهر كفي. انتابتني دهشة طفولية عندما بدأت أصابعي في التحرك .. فأنا لم أخبرها شيئ .. ولم أفكر في شيء .. أنا فقط أحركها .. فتتحرك! يخبرنا العلماء والأطباء أن سبب الحركة إشارات يرسلها المخ وعقد عصبية وكثير من التفاصيل تبدو مضحكة جدا أمام البساطه التي تتحرك بها أناملي الصغيرة راقصة على أنغام لحن لا يسمعه أحد! فهو أيضا يلعب في رأسي وأسمعه بوضوح .. لا يعنيني التفسير العلمي الدقيق لذلك .. أنا فقط استمتع بتحريك أصابعي .. ثم ذراعي .. وحتي كتفي، علي أنغام لحن أسمعه وحدي أثناء الغرق

بينما أتمايل نصف غارقة ألمح جدي متكئا علي سحابة في السماء يراقبني متبسما .. فأرفع جسدي قليلا فوق سطح الماء ثم أقفز فوق موجة قادمة تحملني إلى منتصف السماء. أنظر حولي فلا أجد شمس ولا قمر .. ليس هناك من شيء سوي جدّي وسحابته البيضاء. تزداد اتبسامته اتساعا عندما يرى خطوات رقصي قد تغيرت لأحد سولوهات بحيرة البجع. بذراعين مفرودتين بميل للخلف كجناحي بجعة .. أقفز على أطراف أصابع ساق واحدة .. بساق نصف مثنية ما تكاد تنفرد حتي تنثني .. قفزة وأخرى أصل إلى جدي فأدور حولة مبتهجة حتى أسقط في حجره ضاحكة .. تعبه. يحتضنني جدي بشوق كبير فقد مر عامين ونصف العام بعد آخر لقاء في حلم لم يكن شديد البهجة .. ففي ذلك الحلم قد أتي ليصطحب معه بعض أهله، وتركني وحيدة أبكي

يجلسني إلى حجره ويحتضنني بذراعيه كأنما يخشى أن أقع من مزاحمة كرشه إياي في مجلسي. كرش جدي يبدأ من صدره .. ويبدو منفوخا كطبله .. ليس ككرش أبي الذي يقتصر علي منطقة البطن فقط، ولكنه أيضا منفوخ ككم فستاني الأبيض القصير ذو الشريط الأحمر العريض أسفل الصدر. أبي وجدي كانا رياضيين وأصابت عضلات بطنيهما الترهل .. لذلك فكروشهما ليست طرية كذكور العالمين .. ولعل تميز شكل جدي بكرشه الضخم هو ما دعاني في الطفولة إلي سؤال أمي: هو جدو مِسْتِكَلْوَظْ ليه يا ماما؟ .. لا أحد يعلم معني هذه الكلمة .. ولا حتى أنا .. لكنها بدت ملائمة جدا لتفرد منظر جدّي الذي يبدو كالملك فاروق في معظم الأحيان

لم يكن ينقصني كأميرة حافية مهوّشة الشعر سوي تاج من الياسمين ..يلبسنيه جدي طابعا على جبيني قبلة ممسكا بوجهي الصغير بين كفيه لأصبح رسميا: أمينة هانم كعب الغزال .. وهذا لقب لو تعلمون عظيم .. يخلعه فقط علي المطيعات من حفيداته .. حتما يظن أني استحققته كغريقة تعلمت الطيران عوضا عن انتظار كفوف العابرين لتنقذها من موت محقق .. فليس من بين حفيداته من فعلت ذلك سواي

هناك .. فوق السحابة .. في حجر جدي .. لم تكن هناك كلمات .. فقد أخذت أنا وجدي نلعب بالأحرف لتزيين السماء الخالية من النجوم ...يخرج من جيبه الحرف تلو الآخر .. وأخرج أنا من جيبه الآخر الأقلام الملونه .. فأزين الأحرف ويشبكها هو في وجه السماء فتصير نجوما. ثم كان أن ضايقتني إحدي خصلات شعري اللتي تسقط علي عيني كلما رفعتها فكسرت رأس الـ "س" وجعلت منها مشبك شعر  وصنع جدي من فنجالها هلالا أخذ يضوي فور أن ثبته جدي في كبد السماء عوض عن القمر الغائب

ضحكت عندما رأيت ذراعي جدي ممدودتان وهو يثبت الأحرف على صفحة السماء .. فأنا أعلم أنه لم يأمرها .. لم يقل شيئ .. ولم يفكر في شيء .. وأنه مثلي: على صلة لا يفهمها الأطباء بأعضاء جسده تتحرك عندما يريد .. وحدنا نعلم أسرار الروح اللتي تحرك كل شيء دونما كلام أو أفكار .. كأنما هي سائل غير مرئي يسرح في أعضاء الجسد مغافلا كل طبيب وعالم لئلا يهتك أحدهم ستره .. فالروح لا تحب أن يراها أحد .. وترى كل أحد. وحدي أنا وجدي نعلم أن الروح تستعيض عن الكلمات بالألحان اللتي لا يسمعها سوي الجسد اللذي تقطن فيه .. لذلك وحدنا نستطيع تكسير الأحرف ونثرها على وجه السماء فالكلمات لا تلزم أي منا .. إنما تكفينا تلك الألحان الصامته اللتي تدور في رؤوسنا

تبدو على جدي إمارات التعب فأضع رأسي على صدره ليسمع لحنا في رأسي يساعده على النوم .. أتركه في عالم الحلم وأهبط إلى حيث كنت أغرق .. حيث لفظتني كفوف العابرين ..  ولفظني جوف الماء .. فليس له أن يبتلع فتاة فرّت من الغرق بالطيران إلى عنان السماء .. ولهذا قد حُرِّمَ جسدي على بحار وأنهار الدنيا وتمكنت من المشي على الماء

11 comments:

Mohamed Koraaa said...

تحية كبيرة .اسلوب سلس في العرض للفكرة .قصة قصيرة لم أمل من قرائتها ع عكس طبيعتي مع القصص القصيرة . الفاظ تناسبت مع الفكرة تكاد القصة ان تخلو من السلبيات .فشكراً ع الكتابة الجميلة .

Anonymous said...

الأديب العظيم هو من يوصى بجائزة لتشجيع الإبداع بعد رحيله،والكاتب الأعظم هو من يفرح بالمبدعين فيمد يده إليهم ويرفعهم إلى جواره، وهذا مالا يفعله فى عصرنا سوى الأستاذ بلال الفضل. فشكرا له على اهتمامه المخلص بالزهرات العبقة فى حديقة الأدب وتقديمها للذواقة.أما عن قصتك الرائعة فقد أجدت فيها مزج الخوف بالأمل فى تصوير رائع انتقل بنا من أعماق البحر إلى أفاق السماء ..وتقافزت ببراعة على جانبى البرزخ مابين الموت والحياة. وأرجو ان تتقبلى بحض الملاحظات البسيطة التى لا تقلل من قيمة العمل : فلا أجد شمسا ولا قمرا .. فكرشيهما ..عوضا عن القمر الغائب .. ضحكت عندما رأيت ذراعي جدي ممدودتين .. تدور في رأسينا ,,,, وأخيرا لك كل الشكر وخالص الدعاء بأن نراك بين قمم المبدعين والمبدعات ,,, بستانى نعمان

alienzero said...

حقيقي انا محتاجة اذاكر نحو تاني :( حزينه من نفسي والله كنت شاطره زمان ماعرفش ايه خيبني كده :(
متشكره لاهتمامك

Anonymous said...

تجريدية متماهية مع بعضها البعض ومع من كتبتها .......واختزال مدهش بين الفاصل الزمني والروحي بل والجغرافي بينك وبين جدك ...هوس بحكي بواعث التفاصيل الصغيرة
2/7/2012

dazzlepop said...

الحقيقة .. مش عارف أقول ايه .. بس أنا انسجمت جدا مع اسلوب سردك للقصه .. وشعرت باستمتاع .. قليلا ما اصبح يأتيني مؤخرا عند قراءة قصة او مقاله
تحية كبيرة فعلا لك :)

amina zaki said...

:)

mohammed esam said...

لأ حاجة بديعة بديعة يعنى .. شغل فنادق بتاع خمس نجوم كده .. النحو ضايع بس قشطة فى قدامك أمل :)

Entrümpelung wien said...

Dank den Themen .... Ich hoffe, mehr von den Themen

Umzug Wien said...

Vielen Dank .. Und ich hoffe, Sie Mved Entwicklung und Schreiben von verschiedenen Themen :)

entrümpelung wien said...

Vielen Dank ... Wo neue Themen?

Räumung Wien said...



مدونة مميزة
كل تقدير واحترامى لكم ... :)